محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
51
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
التأسيسية ، ثم بشكل أخصّ لسورة التوبة . لما ذا سورة التوبة على وجه الخصوص ؟ لأن الدنيوي ، والمعياري ، والسياسي ، والظرفي العابر ، يقلّص التدخل الإلهي إلى مجرد تنبيهات أو أوامر قاطعة . ولكن يبقى مع ذلك صحيحا القول إن التاريخية المتجسدة في السورة تشكّل بالضبط العلاقة الكائنة بين كل حقيقة وبين الزمن . والمقصود هنا الزمن القرآني المشكّل من قبل الزمن المحدود للحياة الأرضية . ولكن هذا الزمن مرتبط ( أو متمفصل ) كليا مع الزمن اللامحدود للحياة الأبدية . وهكذا نجد أن الزمن السماوي ( أو الإلهي ) يقدّم الإطار والمرجعية الإجبارية للزمن الأرضي بصفته مدة معاشة ، وليس فقط مفهوما لاهوتيا أو فلسفيا . إنّ الزمن القرآني زمن مليء ، بمعنى أن كل لحظة من الفترة المعاشة مملوءة بحضور اللّه الذي يتكلّم ، ويحاكم ، ويتصرف أو يمارس فعله في القرآن . ثم تحيّن هذه اللحظة أو تجسّد لاحقا في « قلب » كل مؤمن يمارس الشعائر الدينية يوميا ، أو يمارس التأمل ، أو ذكر تاريخ النجاة ، أو التلاوة الشعائرية للكلام الموحى ، أو السلوك الأخلاقي والشرعي المطابق للأحكام المعيارية المنصوص عليها من قبل اللّه . هكذا نفهم سبب سوء التفاهم والتأويلات الخيالية أو الوهمية التي تكثر منها القراءة التاريخوية الوضعية . فهي لا تهتم إلّا بالزمن الكرونولوجي للوقائع والأحداث « * » . أقصد زمن الأحداث التي جرت في تلك الفترة وسير الشخصيات الأساسية كما يحاول أن يتحقق منها ويكتبها المؤرّخ « الحديث » . أقصد المؤرّخ المقطوع عن الإطار الزمني الوجودي للإدراك أو التصور المرسّخ من قبل القرآن ، ثم بشكل أعم من قبل الكتابات المقدسة للتراث الديني الحيّ . إنّ القراءة التاريخوية الوضعية إذ تفعل ذلك ، ترفض أن تتغلغل إلى تلك التاريخية الخصوصية المفهومة والمعاشة كونها عبارة عن إقامة علاقة مع الحقيقة . وهي علاقة منعشة
--> * المنهجية الوضعية المغرقة في علميتها أو علمويتها لا تعترف إلا بما هو محسوس يمكن التأكد منه بلمس اليد . وهي لا تؤرّخ إلّا للوقائع التي حصلت بالفعل تاريخيا أو ثبتت صحتها . أما الخيالات والتصوّرات التي تعمر رؤوس البشر ، والتي قد يعيشون عليها قرونا وفرونا ، فهي في نظرها أشياء وهمية لا تستحق الاهتمام . هكذا نجد أن « تاريخ العقليات » ، وما ندعوه بالمخيال ، غريب عليها تماما . فأجيال المؤمنين عاشت على تصوّرات القيامة ، والبعث ، ويوم الحساب ، والجنة والنهار طيلة قرون وقرون ليس فقط في الجهة الإسلامية ، وإنما أيضا في الجهة المسيحية . وبالتالي ، إلا تستحق هذه التصوّرات التي شغلت أذهان الناس إلى مثل هذا الحدّ أن تصبح مادة لعلم التاريخ ؟ نعم ينبغي أن نتجاوز المنهجية الوضعية في علم التاريخ ، ولكن من دون أن نتنكر لإيجابياتها أو لمكتسباتها . كان المؤرخ الفرنسي المعروف : جان ديليمو ، قد أصدر مؤخرا كتابا كبيرا عن تاريخ الجنة ، أي كيف تصوّرت أجيال المؤمنين المسيحيين الجنّة منذ أقدم العصور وحتى اليوم . وهكذا نجد أن تصوّرات البشر الخيالية أصبحت مادّة لكتابة التاريخ ، بل وتهمّ كبار المؤرخين . انظر : جان ديليمو ، تاريخ الجنة ، الجزء الأول بعنوان : دار النعيم ، ثم الجزء الثاني بعنوان : ألف سنة من السعادة ، Fayard ، Paris ، delicas des jardin Le : 1 tome ، paradis du Histoire : J . Delumeau . 1995 ، Fayard ، Paris ، bonheur de ans Mille : 2 tome ؛ 1995 .